الثلاثاء، 27 يناير، 2009

غابات الابنوس الجميلة حرم الرشيد شداد

يقولون ان للسفر سبع فوائد واظنها تبدأ منذ البدايات الاولى للتجهيز للرحلة ان كانت خارجية او داخلية, وعن نفسى بالرغم من فوائد السفر فانا لا احب السفر والابتعاد عن الوطن وكثيرا ما استغرب كيف يستطيع المغتربون والمهاجرون عن اوطانهم العيش، المهم لنعد الى الموضوع وهو السفر فمن تجهيزاته ان تأخذ تأشيرة الدخول للبلد الذى تتوجه اليه وتطلب منك السفارة احضار صورة فوتغرافية (صورة باسبورت) كما نسميها فذهبت الى احد الاستديوهات لاخذ الصورة فوجدته مزدحما فكدت اتوجه الى آخر ولكن شيئا ما شدنى لان انتظر فى هذا الاستديو بالذات فلاول مرة ارى عن قرب ذلك الجمال البنوسي الأخاذ الذى ما كنا نسمع تلك العبارة فنتلفت حولنا اين هو ذاك الجمال الابنوسي المأخوذ وصفه من الابنوس الذي ينمو بكثرة فى غابات الجنوب وتوصف به فتيات الجنوب اللاتي يتمتعن بهذا اللون الجميل وهذا القوام الممشوق فسرحت بذاكرتي الى الوراء حينما كنا نستغرب ذاك الكلام عندما كنا نرى اخواتنا الجنوبيات تعلو ملامحهن تعابير البؤس والشقاء والحزن وذاك الغطاء البالي على الرأس وثيابهن تفضح عن بؤسهن وفقرهن فهن لم يكن يجدن حظا فى التعليم او محلات العمل لكنني اكتشفت مؤخرا هذا الجمال الابنوسي الأخاذ الذى جعلني اتسمر فى ذلك المكان رغم ازدحامه وانتظر مذهولة ومعجبة بما حولي من تلك الاجسام الجميلة المتناقسة مع الملابس الانيقة ذات الالوان التى تنم عن ذوق رفيع فها هي امامي غابات الابنوس التى انبتت من الدماء جمالا دفن لعدة قرون فقد كان العريس والعروس من ابناء الجنوب وعدد كبير من اقاربهم رجالا ونساء فقد كان الرجال يرتدون افخم ماركات البدل الرجالية مع تناسق تام بين الوان القمصان والكرافتات الانيقة ولعل اكثر ما يلفت النظر فى الرجل حذاءه.فهنالك مثل شعبي يقول ان اردت ان تعرف نظافة المرأة فانظر الى اقدامها فدائما ما تقع عيناي على احذية الرجال وهذا ما يعطيني الاحساس بان هذا الانسان انيق ونظيف ام لا المهم كانت الاحذية تلمع مثل ما توجد داخل فترينات العرض اما النساء فلنبدأ بالعروس اولا فقد كان فستانها الابيض ينم عن اناقة ضافية وكان هذا الاختراع المسمي بفستان الزفاف قد فصل من اجلها يعطي بريقا جذابا مع ذاك اللون الخمرى المميز اما الوجه مع (المكياج) كقطعة من الشيكولاته الفاخرة وابتسامتها البيضاء المشرقة جعلتها حقا عروسا بمعني الكلمة اما المرافقات لها فكن فى غاية الاناقة والنظافة لملابسهن وكانهن عارضات ازياء من افخم دور الازياء الراقية اما شعورهن فقد ازدانت باجمل التسريحات وآخر الصيحات وابت عيناي الا ان تتمع بذلك الجمال الآخاذ لطريقة تسريحات الشعر المختلفة الجميلة غاية الجمال فذهبت مرة اخرى للماضي عندما كان الفقر مدقعا فظلم بنات الجنوب ان يظهرن ذلك الجمال الباهر فقلت فى نفسي ليس على الجنوبيين فقط صنع تمثال للراحل المقيم د.جون قرنق وانما لابد ان يفخر ابناء الجنوب والوسط الشمالي والغرب بذلك المناضل الذى استطاع ان يخرج هذا الجمال من غياهب ظلمات الحروب والقتال الى رحاب ساحات السلام والعدل والمساواة فكم انت عظيم ايها الراحل عندما ادركت ان الجنوب ظلم على مر الفترات التاريخية وليس فقط الجنوب بل اكثر اجزاء الشمال فجعلتها حركة قومية واتجهت بها الى مراكز صنع القرار فكان افقك اوسع يضم كل السودان وليس فقط الجنوب ولا يتشدق المتشدقون بان السلام اتى من الشمال بل هو فرض عليهم وكيفما جاء السلام لايهم المهم هو هذا النور ام الجمال الآتي من الجنوب ولست من دعاة الوحدة او الانفصال وليس عضوة بالحركة الشعبية ولكنني كمواطنة عادية رأيت كيف تحول حال ابناء الجنوب بعد السلام وان اتاني اي معارض ليس لي سوى ان اقول له تلفت من حولك ستجدهم اليوم يركبون احدث موديلات العربيات وينظر الى الجمال الذى ظهر على السطح من تحت انقاض الحروب والدمار وان قرر الجنوبيون الانفصال او الوحدة عليهم التمسك بمبادئ جون قرنق الذي جعل الحركة الشعبية حركة قومية فى المقام الاول تضم الشمالي والكردفاني والنوبة وابناء دارفور لاول مرة فى تاريخ السودان وان تستمر كحركة سياسية قومية جامعة لكل اهل السودان فعلى كل قيادات الحركة الشعبية ان تجعل رداءها قوميا ووعائها يسع الجميع وان تعمل اولا على ازالة آثار الحق والجفاء بين الشمال والجنوب اذا كانوا يريدون الوحدة فالاولويات هى كيفية جعل الوحدة جاذبة ليس بالشعارات ولكن بالعمل الجاد مع العمل على وضع معالجات نفسية لنزع آثار الحقد والكراهية من النفوس لكي ينعم الجميع بسلام دائم وعادل فى وطن يسع الجميع.

الأحد، 18 يناير، 2009

الحاجة الى تعزيز روح المصالحة.. قراءة فى احداث ملكال التى صاحبت ذكرى احتفالات السلام



قد يبدو غريبا للكثير من الناس العاديين و المهتمين بقضية المستقبل الامن لاقليم جنوب السودان وفى ظل اوضاعه الحرجة التى يعيشها حاليا وهو فى طور البداية الجديدة بعد فترة توقيع اتفاقية السلام الشامل التى وضعت حدا فاصلا للحرب اللعينة التى ما ابقت على اى شئ يذكربالمعنى سوى الامل المنبعث فى النفوس باحتمال استئناف فرص الحياة الهانئة بما توافر من مقدرات و امكانات تساعد على تلك البداية و الانطلاق بعدها نحو الاستقرار النفسى للمواطنين هناك كمشاركيين اصيلين فى عملية البناء ، قد يبو غريبا ان يدخل الاقليم فى دائرة الانشغال بنزاعات جديدة لم يشهدها من قبل حتى فى اثناء فترة انلاع الحرب ، و الغريب ايضا فى هذه الانشغالات هو كونها ظلت ترتبط الى حد كبير بمزاعم السلطة و الجاه و النفوذ السياسي بالاضافة لكونها آثرت الالتصاق بالحمية العصبية وسلطان القبيلة ، وهذا امر يؤسف له حقيقة لكون ان القائمين على تلك ( الهلوسات المضنية) اناس تتوسم فيهم مجتمعاتهم درجات من الوعى و الدراية و التعليم ، وهى بالنسبة لنا مقدرات كبيرة كان من الممكن توظيفها بايجابية كاملة لتنصب فى خانة النهوض بالمجتمع نحو التماسك و التعاضد .
ان تلك الصورة المحزنة التى خرجت بها احتفالات السلام الاخيرة بمدينة ملكال كانت نتاجا لتلك النزاعات التى بدات تطل براسها فى الفترة القليلة التى اعقبت توقيع الاتفاقية ، وهى ان افضت الى نتيجة منظورة فانها هتكت جدران مثال التعايش الاجتماعى الذى عرفت به ولاية اعالى النيل بالمجموعات القاطنة بها و مختلف التكوينات التى ظلت متالفة على مر تاريخ المنطقة ، وهى ماثرة لم يكترث لها ( المهلوسين) وهم يبتدرون صراعا غير معروف الدوافع والنهايات حول ملكية مدينة ملكال هل هى ( للشلك) ام انها منطقة تاريخية تابعة (للدينكا) مما ولد حالة احتقان قصوى مابين تلك المجموعتين انعكست على اداء المؤسسات التنفيذية و التشريعية لزمن طويل و المثال على ذلك تاخير اجازة دستور الولاية لذات الاعتبارات ، كما انسحبت تلك التوترات الى خطاب معظم منظومات العمل المدنى بالولاية و اعنى هنا بالخصوص الاجسام و الروابط الطلابية الممثلة لمجموعات ( الدينكا و الشلك) كاثر مباشر لازمة تورطت فيها كيانات يفترض فيها التدخل بما يتناسب مع الدور الاجتماعى الكبير المطلوب و المتوقع منهم كطلاب بالجامعات و المعاهد العليا وهو مالم نجده باى شكل من الاشكال مما ضاءل من حجم الفرص المحتملة بوجود اجسام محايدة يقودها الحرص على تهدئة الاوضاع و تحويل هذا النزاع لمصلحة جميع الاطراف وهو لا يزال فى طوره المبكر، لكن لهجة البيانات الصادرة عن هذه المنظومات الطلابية ـ باستثناء البيان الاخير المزيل باسم (رابطة طلاب فدانق بالجامعات و المعاهد العليا ـ اجراس الحرية18ـ يناير) كانت جميعها تؤكد باستمرار على خطورة المسالة و التحركات التى عكفت من خلالها بعض الاطراف من السياسيين على الاصطياد فى تلك المياه الاسنة و تمرير اجندتهم الشخصية الضيقة فى مغامرة تفتقر للحس المسئول و الروح المخلصة التى تنظر ابعد من حدود المعطيات الراهنة و تغلب البعد الاخلاقى المتجرد من اى ميول شخصية تستفيد من حالة التوتروعدم الاستقرار بولاية اعالى النيل.
حتى وان اوردت الروايات الرسمية بان السبب الجوهرى لاندلاع النزاع بين مجموعتى (الدينكا) و (الشلك) فى مدينة ملكال ، تظل هناك اسباب و دوافع اخرى و غير مجهولة تم التعبير عنها هنا و هناك عبر بيانات الادانة التى صدرت عن الجانبين ، هذا بالاضافة الى امتداد تلك الاحداث من استاد ملكال الى قرى( نكديار) و (كنيسة لول) فى مسافة تنفى فرضية ان ( نشوب خلافات بين مجموعات الرقص فى احتفالات السلام) هو ما افضى الى مقتل و اصابة اكثر من 100 شخص و حرق حوالى180 منزل الى جانب نزوح و تشرد العديدين حسب الاخبار التى اوردتها صحف ( الاحداث ـ راى الشعب و مونتر بتاريخ 11ـ 12 يناير الجارى) ، وهو امر مؤسف ان نفقد المزيد من الارواح ونحن نحتفل باتفاقية السلام و التى كان من الاجدر بنا تمثل روحها و مغزاها الرئيسى فيما بيننا ، كما ندين هذه الجرائم مطالبين سلطات حكومة الجنوب بفتح تحقيق عاجل حول تلك الاحداث وتقديم المتورطين فيها فورا الى العدالة حتى لا تتكرر مثل هذه الظواهر فى المستقبل و ان تسكن الفتنة تمامافى مهدها.
من المظاهر الملحوظة فى خصوص الاحداث المؤسفة التى شهدتها عاصمة ولاية اعالى النيل مؤخرا هو حالة الخفوت المريب التى اعترت الرموز و القيادات من السياسيين و المثقفين الذين يمثلونها ، وهذه ازمة واضحة نخشى معها قابلية تلك الرموز للتماهى مع اجسامهم القبلية و تاسيس خطابهم وفق تلك المناورات المنحازة للمجموعة فى اولى المنعرجات الحقيقية التى تحتاج الى المواقف الشجاعة كادانة تلك الاحداث و المتورطين فيها مهما كانت خلفاياتهم او انتماءاتم الاثنية .. الا يوجد بينكم رجل عاقل؟.
الامر الآخر هو موجة الاتهامات التى لم تتوقف منذ صبيحة تفجر الاحداث حتى الان ، اذ تحولت المسالة الى ملاسنات و بيانات وصل فيها الخطاب الى درجة التعبئة و اعلان حالة (الجهاد) نعم الجهاد ! من احدى مجوعات النزاع التى يمثلها اتحاد طلابى .. ففى ظل الصمت و التوارى الذى تعكف عليه القيادات فى ولاية اعالى النيل وعدم التفاتهم الى هذه التعبئة نتساءل حول مدى مسؤوليتكم عن هذا الخطاب الذى تقوده روابطكم الطلابية فى الولاية .. اين انتم من كل هذا لماذا لم تدينوا المتورطين من الطرفين .. اليس بينكم رجل عاقل؟
الملاحظة الاساسية و الاخيرة بالنسبة لنا و التى تؤكد على حالة العجز الكبير و العزلة التى تعيشها القيادات الاجتماعية و السياسية فى اعالى النيل هى عدم قدرتهم حتى الان على تحديد المخرج من حالة النزاع القبلى التى يمكن ان تتسع دائرته اذا ما تعاملوا معه على اساس الاصطفاف و استغلال اوضاع الحذر ببث دعاياتهم السياسية ، فالمخرج معلوم و غير مكلف البتة لكنه يحتاج الى القدرة الكافية من الالتزام الادبى و الاخلاقى لتبنى خيار الترابط الاجتماعى عبر اجراء عملية( مصالحة) و اسعة بين جميع الاطراف فى اعالى النيل كمنطقة تساكن اجتماعى طويل سواء كانوا من (الدينكا) او (الشلك) لابراء النفوس ولكم فى توصيات مؤتمر اونليت المنعقد فى فبراير 1999 اسوة حسنة تسترشدون بها. فملكال ينبغى ان تكون للجميع كما ان الاكثر اهمية هو ان يكون جميع ابناء المنطقة لملكال وهذا امر فى الامكان حدوثه بيد انه يحتاج الى تضافر الجهود المخلصة و العقول المتسامية بين السياسيين و المتعلين الشباب و جماعات المجتمع المدنى ، هنالك عدة خيارات كنا نتمنى ان يشترك فى طرحها المكون المحلى بولاية اعالى النيل لسلطاتهم المسئولة عن تامين حياتهم استقرارهم وهذه الخيارات هى :
اولا: اقامة مؤتمر جامع للمصالحة و التعايش الاجتماعى يشارك فيه عقلاء المنطقة من الادارة الاهلية ، منظمات المجتمع المدنى، المبدعين الشعبيين، و الجهات الحكومية الرسمية وان يتم تكوين مجلس للسلام يضم كافة مكونات المنطقة يهتم بمتابعة و انفاذ توصيات المؤتمر.
ثانيا: ابتدار حملة واسعة لجمع السلاح من ايدى المواطنين حتى تضطلع السلطات الامنية بالولاية من فرض الامن و سيادة حكم القانون.
ثالثا: تشجيع منظمات المجتمع المدنى على اقامة مخيمات مشتركة ورش عمل و مخاطبات جماهيرية عن قضايا المصالحة و بناء السلام و التعايش الاجتماعى، الى جانب بناء مشروعات عمل مشتركة بين المجوعات المتنازعة تمكنهم من الاندماج الاجتماعى .
رابعا: ضمان تشكيل المنظومات و الاجسام المدنية و الطلابية على مبدا الشفافية وعدم استخدامها من قبل السياسيين و المنتفعين كمظلات لتمرير ( الهلوسات) و الاجندة الضيقة قصاد الدعم المادى الذى يقدمونه لها ، وعلى الشباب فى تلك المنظومات السعى لتغليب المصلحة الاجتماعية لكافة الاطراف وفى ضوء الاهداف المعلنة لتك المنظومات و الجماعات.
خامسا: تخصيص مساحات و برامج باذاعة و تلفزيون الولاية يكون الهدف منها هو ترقية الحس الاجتماعى بقضايا بناء السلام و العيش المشترك بين سكان ولاية اعالى ، وان يتم توظيف اللغات المحلية كوسيط لنقل رسالة تلك البرامج.
سادسا: التزام القيادات السياسية و الحزبية من المنطقة بعدم ترحيل خلافاتهم السياسية الى داخل منظوماتهم القبلية وذلك لتلافى منهج التسييس القبلى الذى برعت الانقاذ فى استخداماته .
عموما تلك هى تصوراتنا و مساهمتنا البسيطة فى مسالة ينبغى ان ينصرف فيها كل المهتمين الى الدفع بمبادراتهم التى يرون امكانية مساهمتها فى تهدئة الاوضاع و تهيئة الفرصة كاملة امام الحادبين على امن و حياة الناس غض النظر عن خلفياتهم الاثنية للاخذ بتلك المقترحات ، ذلك لاننا نؤمن بمبدا ان المدخل الاساسى لاستقرار علاقات الحكم و السياسة فى مجتمع ما بعد الحرب هو البحث عن اليات لتعزيز(المصالحة) و (التعافى الاجتماعى) لاجل تقوية و دعم مرحلة الانتقال السلمى و بناء واقع اجتماعى افضل تقوم فيه العلاقات داخل اطار اكبر من الروابط التقليدية ، وهى مرحلة لن تنصلح فيها الاحوال اذا ما ادمننا ( كمتعلمين) مغامرة اقحام مكوناتنا الاثنية فى جدل السلطة السياسية و عولنا على تلك الافكار، لاننا سنكون بذلك قد وضعنا اللبنة الاساسية للتشرزم و مهدنا الطريق واسعا امام الانتهازيين ليتسلقوا بنا الى السلطة ..








الأحد، 11 يناير، 2009

استقلال السودان .. نظرة اكثر واقعية



ونحن نعايش الذكرى الثالثة والخمسين لاستقلال الدولة السودانية من المستعمر الاجنبى، كان لزاما علينا كسودانيين ان نعيد النظر المتأمل للمآلات التى صارت إليها بلادنا طوال عهود وفترات الحكم ( الوطنى)، التى تعاقبت علينا تحت كافة النعوت والاشكال، إذ ان سمة الدولة الوطنية والمستقلة، ان تحقق فى تاريخها الى الحد الذى يتيح لها بناء مراحل جديدة اكثر ثباتاً فى عمرها الحديث، وتبدو هذه النظرة على درجة غير قليلة من الاهمية بالنسبة للحالة السودانية، والتى ظلت تُنسب إليها جملة الاخفاقات الهائلة فى تاريخ دولتنا (المستقلة) من ربقة الاستعمار، الذى غادر ساحاتنا قبل خمسة عقود، دون ان تتبدل احوالنا الى درجة الاستقرار الكامل،والشواهد فى ذلك تبدو ظاهرة للعيان بالنسبة لكل متأمل واقعي، فمن خلال مراجعة التجربة الوطنية نفسها تتضح أمامنا جُملة من الازمات التى تورطت فيها النخبة السياسية من شمال ووسط السودان النيلي، وهى تفرض وصايتها على تفاصيل العلاقات السياسية والاقتصادية الحيوية بالبلاد، بعد ان نالت تلك الفرص الكبيرة بفضل تلاحم صلاتها مع (الاستعمار) رغم ان الشعار الذى رفعته الاحزاب الاستقلالية وقتذاك (السودان للسودانيين)، كان يعنى بصورة اساسية فلسفة حمل الاستعمار للخروج من البلاد، بيد ان ذات الشعار عاد مجددا ليطرح اسئلة اخرى تتعلق بمصداقية الاطراف التى تنادت الى الفكرة، فى اول منعطف حقيقى تمثل فى مفاوضات صيف 1952م التى حضرتها (معظم الاحزاب السياسية السودانية فى مصر)، حينما ذهب قادة تلك الاحزاب لبحث مستقبل السودان فى أروقة السياسة المصرية واحزابها، ولم يكن حزب (حستو) والجنوبيين ضمن تلك الاحزاب التى دعيت الى القاهرة للتفاكر مع النظام الجديد، الذى اعقب الثورة التى قادها الضباط الاحرار فى مصر (محمد سعيد القدال 2002م)، ولا تبدو المسألة مثيرة للاستغراب عندما ننظر مذكرات اللواء محمد نجيب، وهو يقول فى هذا الصدد (كانت الخطوة الاساسية هى جمع كلمة السودانيين بمختلف احزابهم على موقف موحد تعاونه فيه مصر.. وبدأنا المفاوضات مع وفود الاحزاب السودانية.. وكان معظم هؤلاء من معارفي واصدقائي و زملاء دراستي.. وكانت تربطني بهم علاقات وثيقة متجددة)، مقابل ذلك التحرك جاءت ردة فعل السياسيين الجنوبيين فى خطوتين مهمتين، تمثلت الاولى فى المذكرة الاحتجاجية التى بعث بها السيد بوث ديو إلى الامم المتحدة محتجاً على تلك الاتفاقية، اضافة لتحرك ثانٍ قاده بول لوقالي سكرتير (لجنة جوبا السياسية)، فى شكل مذكرة دفع بها الى السلطات الانجليزية معترضاً على عدم استشارتهم فى اتفاقية القاهرة، التى أدت لتشكيكهم بصورة كبيرة فى نوايا القيادات السياسية الشمالية. وفق تلك المعطيات كانت الحركة الوطنية السودانية ترفع شعارات أكدت مفارقتها لواقع السودان المتعدد اصلاً، لتنحصر تجربة استقلال السودان فى حدود سيطرة تلك النخب والزعامات الطائفية، التى لم تنظر للمسألة من مستوى المسؤولية الوطنية الجادة، فغيبت قضية مستقبل الدولة السودانية بنظرة آنية لم تضع فى الحسبان حتى ملامح المشروع الوطنى، الذى يمكن ان يصبح بموجبه (السودان للسودانيين)، لتبتعد اقوام ومجموعات كبيرة ومعتبرة عن علاقات الحكم طوال الفترات اللاحقة فى دولة السودان، وتتعثر كذلك جميع محاولات اصلاح هذا التجاوز بعدد من الحيل التى تبنَّت نفس النهج القديم فى الممارسة السياسية، وخلق ذلك بطبيعة الحال جملة تمايزات اجتماعية، ثقافية، واقتصادية، ادت بدورها لحالة الخلل المستديم فى العلاقة ما بين مركز الدولة (الحاكم) فى الخرطوم، وباقى المناطق التى ظلت ترزح كهامش مستبعد تماماً من واقع الحياة العامة فى السودان. لكن تظل المطالب التى رفعها السياسيون من جنوب السودان فى المؤتمر المعروف فى مسار التاريخ السياسي للسودان بـ(مؤتمر جوبا)، والذى انعقد فى الفترة من 12ـ13 يوليو سنة 1947م هى المحك والاختبار الملموس لعقلية الالتفاف على الحقائق، واضعاف تماسك الدولة الوطنية عندنا، فإضافة لكون المؤتمر مؤشرا لأولى حلقات التلاقي السياسي ما بين الشمال والجنوب، إلا انه ظل كذلك وعلى مر التطور السياسي المعاصر يعبِّر عن موقف سياسي تبنته اجيال جنوب السودان فى مقاومة السياسات الحكومية المركزية، وقد انتصرت القضية ـ عبر الزمن ـ لعدالتها واتساقها مع وضعية التفاوت التنموي بالبلاد، لكنها احتاجت لاكثر من نصف قرن حتى تتفهم النخبة السياسية فى شمال السودان واقعية تلك المطالب وعدالتها كقضية لا مناص من مخاطبتها، ومن المؤسف ان تتحقق تلك الشروط عبر حوار البندقية الذى قضى على أهم الميزات الضرورية فى البناء الوطني ألا وهو عامل الثقة والالتزام بالعهود والمواثيق، ونحن على شرف هذه المقاومة، لا يفوتنا إلا ان نحيي ذكرى آباء اماجد اسسوا لهذا المسار الوطنى الخالد، من لدن (فيلمون مجوك، كلمنت امبورو، جيمس طمبرا، بوث ديو، لادو لوليك، سريسيرو ايرو، ادوارد ادوك، لويث اجاك، كوميانجى ابوبو، حسن فرتاك، شير ريان، قير كيرور، الاب اندريا ابايا، اكومو بازيا، سلطان لابنجا، الاب قيدو اكاو، وسلطان تيتة)، فعبر تعضيد المطلب ساهموا بقدر وفير فى انبثاق الوعي السياسي لجنوب السودان، فطرحهم لخيار الفيدرالية هو الذى اتاح المساحة الوافية فيما بعد حسب الوعد الذى قطعه لهم محمد صالح الشنقيطى فى مؤتمر جوبا مقابل تصويت الجنوبيين لصالح منح السودان حكما ذاتيا، وبعد ان تحقق الاستقلال على هذا الشرط والعهد شب خلاف مبعثه رفض تضمين ذلك المطلب فى مسودة اول دستور وطني فى سبتمبر من العام 1957م، وقد صدر بيان اعلن فيه الساسة الشماليين للاسف ان (مطلب الجنوب لقيام نظام فيدرالى فى البلاد تمت مناقشته ووجد انه لا يصلح للسودان)، ولا ندري الى يوم الناس هذا اين تمت مناقشة تلك القضية، لكنه على أية حال بؤس السياسة السودانية وعقمها هو الذى اوجد تلك العقلية الوصائية لتقرر ما تراه مناسبا وما هو غير ذلك، حتى تم تفسير مطلب الفيدريشن كرجاء انفصالي، ولكن الاب سترينو لاهورو افاض فى الدفاع عن شرعية المبدأ ووجاهته أمام البرلمان، وهو يؤكد (ليست للجنوب نوايا سيئة تجاه الشمال، ان الجنوب يطالب فقط بادارة شؤونه المحلية فى ظل السودان الموحد وليست للجنوب نية فى الانفصال عن الشمال)، ولاننا فى السودان ذهبت كل تلك الرجاءات ادراج الريح واكتملت السيناريوهات المفارقة للشعارات من خلال ترتيبات السودنة لتتجلى فى واقع الامر هوية السودان الذى انفردت به تلك النخب على حسابها الخاص فى بواكيره الاولى منذ الاستقلال، متناسية ان ما اقدمت عليه من فعل متنكر لحقوق السودانيين فى الجنوب سيعود يوماً ما بمردود اخر سلبي يسلب الاستقلال معناه، ويدخل البلاد فى نفق معتم من الازمات التى تهدد حتى فرص المستقبل الواحد بالنسبة للسودانيين اجمعهم فى الشمال قبل الجنوب.

الأربعاء، 31 ديسمبر، 2008

نحو عاصمة جديدة لجنوب السودان




ان القضية المطروحة أمامنا اليوم تُعد واحدة من القضايا المفصلية، والمهمة بالنسبة لمجتمع جنوب السودان، وهو يهمّ بعبور هذه المرحلة الحرجة والعصيبة من عمره، سيما وانه قد بدأ يأخذ أنفاسه من الرهق الطويل الذي خلَّفته الحرب فى تكوينه الحيوي، وكذلك على البنيات التحتية المنعدمة أصلاً، كما هو معلوم للقاصى والدانى، وتكمن أهمية هذه القضية لكون الظروف والأوضاع الحالية فى جنوب السودان تكاد تكون مختلفة تمام الاختلاف عن ما كانت عليه الحال بعد الحرب الأولى 55 ـ 1972م، والتي انتهت الى توقيع اتفاق أديس أبابا للسلام، والذي جاء كهدنة وفقرة سلام مؤقوت فى سجل التعب السوداني، ومعاناة مواطن جنوب السودان, إذ تتسم هذه المرحلة الجديدة بخصوصية ومكاسب جديدة ومستحقات جليلة ترتبت على اتفاق السلام الشامل، وهى مكاسب ينعم بها جميع مواطني الإقليم على قدم المساواة حتى الآن، مع وجود بعض الصعاب والتحديات الجديرة بالنقاش والتأمل كأية تجربة حديثة تحتاج للتقييم وإعادة النظر.
بالنسبة للكثيرين فإن العديد من القضايا المتعلقة بطبيعة الأوضاع فى جنوب السودان هى (قضية جنوبية) ينبغي ان تناقش على الصعيد الداخلي، حرصاً على وحدة مواطني الإقليم وتضييعاً للفرصة أمام حزب المؤتمر الوطني الذي يسعى الى الوقيعة بين المكونات المختلفة بجنوب السودان واستخدامها بعضها ضد الآخر, وهذه الأسباب الى حد ما تعتبر معقولة فى نظرنا، ونحن نتذكر العديد من الدروس التى رسخت عندنا فى الأذهان من سياسات حزب الحكومة فى تأجيج نيران الصراع الجنوبي ـ الجنوبي، وما أفضت إليه من نتائج كارثية, هذا ان لم ننس ما قام به جعفر نميري نفسه وهو يتنكر لاتفاق أديس أبابا, لكننا ولنبدو أكثر حرصاً من الاخرين حيال بعض القضايا والمشكلات نرى أهمية التداول، وفتح النقاش فيها بقدر من الشفافية والوضوح المطلوبين عند التعامل معها.
قبل توقيع اتفاقية السلام الشامل كانت الإرهاصات تشير الى ان هناك مشروع مدينة جديدة تقوم كعاصمة رسمية لحكومة جنوب السودان بدلا عن مدينة جوبا العاصمة القديمة للإقليم, وكانت تلك الإرهاصات وقتها تتحدث عن مثلث (رامشيل) الواقع فى منطقة حدودية متاخمة بين ولايات (جونقلى وأعالي النيل والاستوائية) وقد كانت تلك الفكرة محل ترحيب واشادة الجميع لاعتبارات عدة, أولها ان هناك أهمية قصوى فى المرحلة الحالية لان تكون عاصمة جنوب السودان فى بيئة جديدة تساعد على بلورة الرابط القومي بالنسبة لمواطني جنوب السودان بعيدا عن أي تراكم لتجارب الماضي او حتى محاولة أحيائها أملاً فى تصالح جديد بين تلك المكونات فى ظل الظروف والمتغيرات التى نشهدها, استفادة من دروس التجربة المريرة القاسية التى عاشها شعب جنوب السودان فى الفترة الممهدة لإلغاء اتفاق 1972م، عندما تم تقسيم الإقليم الجنوبي الى ثلاثة أقاليم، وما سبق ذلك من أحداث (الكوكرا) المعروفة، مع العلم ان تلك الفترة بالنسبة للحكومة المركزية كانت مفهومة لما يمكن ان تقود إليه من اختبار تماسك سكان الإقليم الذى كان يمارس تجربة الحكم لأول مرة فى تاريخه، هذا الى جانب بعض المشكلات الأخرى المتمثلة آنذاك فى غياب أي أثر للتعليم، وبالتالي انعدام المؤسسات التى تقوم بأدوارها خارج نطاق حدود الانتماء القبلي، مما خلق فرصة مواتية لتهييج المشاعر القبلية كأقرب الطرق لإجهاض الاتفاقية، وزرع روح الفتنة بين الجنوبيين آنذاك.
ما قادنا لطرح قضية عاصمة جنوب السودان على هذا المستوى، الملابسات الحالية بين المجموعات السكانية الرئيسة المكونة للولاية الاستوائية الوسطي، وحكومة جنوب السودان في العديد من الجوانب فى خصوص عدد من الشكاوى المرتبطة بمسائل الأرض، والسكن، والاستقرار، التى اصبحت تواجه موظفي الحكومة الجدد, فتلك العقبات ظللنا نراها قابلة للحل، إلا أنها استمرت فى التعقيد والتراكم الى المرحلة التى أصدر فيها (الباري كميونتىB.C) او مجتمع الباري ـ وهو جسم منتخب ممثل لمجتمع الباري كبرى مجموعات الاستوائية الوسطى ـ بيانا يناشد فيه حكومة جنوب السودان بضرورة نقل عاصمة الإقليم من جوبا إلى أيٍ من الولايات الجنوبية التسع الأخرى، معددين فى ذلك الأسباب التى دفعتهم لاتخاذ تلك الخطوة، وهو بيان منشور فى صحف (الخرطوم مونتر ـ وجوبا بوست الإنجليزيتين ـ صحيفة الصحافة العربية ) بتاريخ 15ـ نوفمبر ـ 2008م، ولا أدرى حتى لحظة كتابة هذه السطور اذا ما سلمت نسخة من هذا البيان الى حكومة الجنوب أم لا؟! ومهما اختلفنا مع ما دفعوا به من أسباب تدعوهم الى المجاهرة بتلك الخطوة، فإننا نرى أنها جاءت نتيجة لتجربة وقناعة منهم بجانب أخطاء مارستها عليهم الحكومة فى الفترة الماضية من عمرها, لكن النقطة الأهم فى بيان مجتمع الباري هذا هو انه أكد بصراحة ووضوح على ان هكذا مشكلات من شأنها ان تصرف (مجتمع جنوب السودان) عن قضاياه الكبرى التى ينبغي ان تتوحد ازائها الجهود للخروج الى بر الأمان.
الأهم فى الامر ان صدور هذا البيان فى هذه الفترة تقريبا تجعل الفرصة مواتية أمامنا فى جنوب السودان بشتى الأسماء والانتماءات والمكونات لوضع هذه القضية موضع الأهمية والاعتبار, فعلى عكس المراحل السابقة كانت تلك المطالب تصدر عن جهات غير معلومة بالنسبة لنا، وقد وجدت العديد منها على شبكة الانترنت، الشيء الذي جعلها تبدو فى شكلها العام معبِّرة عن مصالح لأفراد او جهات ذات مصلحة سياسية, والأمر مختلف فى كلا الحالتين اذ ان( الباريا) هم فى المقام الأول والأخير مواطنون جنوبيون تهمهم مصلحة الإقليم والمواطن، ولا يمكننا تجاوز ما يطرحونه من وجهات نظر أمام حكومتهم كمجتمع لهم من الحقوق ما لبقية المجتمعات الأخرى, فلطالما هم يرون ضرورة ذهاب العاصمة بعيدا عن مدينة جوبا, فان الحكومة مطالبة بالجلوس إليهم ومناقشتهم فيما ذهبوا إليه من أسباب ووضع المسألة برمتها موضع التنفيذ، فكيف لنا فى هذه الأوقات ان نغفل الحوار البناء والمشاورة الحادبة على المكاسب التى حصل عليها جنوب السودان, فالخطاب موجه لـ(حكومة جنوب السودان)، وهذا طرح متقدم جدا بالنظر الى القضية من جذورها, وهنا نتوقع ان تخرج من طابع التعامل السياسي ولنعتبرها حلقة من حلقات الحوار الجنوبي كقضية تخص )الجنوبيين( كإطار مفهوم بالنسبة للكثيرين.
النقطة الأكثر ايجابية فى هذا الامر هو اننى عمدت بعد الاضطلاع على البيان المذكور الى إدارة حوارات عشوائية مع مجموعة من الشباب لمعرفة وجهات نظرهم المختلفة فى هذه القضية مثار الجدل, فوجدت ان الغالبية منهم يرون ان تخطو حكومة الجنوب خطوات عملية فى خصوص أهمية إيجاد عاصمة بديلة للإقليم غير مدينة جوبا, بدافع ان قضية الرابط القومي الجنوبي تكاد تأتى كأولوية قصوى مقدمة على مسألة العاصمة نفسها, وهو رأي نابع من جيل اصطلى بنيران الحرب والنزوح، كما عاش تجربة مفيدة قادته الى التعرف على جل المكونات الاجتماعية للجنوب ما كانت تتاح على ارض الواقع للعديد من عوامل الجغرافيا وانعدام السبل، وهم الآن ليسوا على أدنى استعداد لفقدان تلك الوشائج بالتوترات التى يمكن ان يثيرها موضوع العاصمة هذا.
قلنا فيما سبق من حديث حول الموقف الحكومى المطلوب فى هذا التوقيت فيما يتعلق بالتعامل المفترض مع القضية التى اثارتها مجموعة (الباري) عبر منظومتها الممثلة لها، هو الاستجابة لهذه القضية دونما تجاهلها على الاطلاق تحت أية دعوى من الدعاوى، ذلك لكون ان غض الطرف عن هكذا مشاكل مجتمعية من شأنه ان يقود لنوع جديد من التباعد والتوتر بين السلطات الحكومية وجزء من مواطنيها وهنا ينبغى كذلك على الحكومة ان تضع فى اعتبارها خصوصية الوضع الاجتماعى لجنوب السودان والذى لا يمكن مقارنته مع طبيعة المجتمعات المستقرة فى مسائل الارض والسكن، دعك عن الحوار المجتمعى حول نشدان الاستقرار والوحدة الداخلية، فكل تلك المسائل المار ذكرها ما زالت فى طور تشكلها الاولى الذى قد تعيقه عدد من التعقيدات والمخاوف التى تتجاوز حتما الحقائق الماثلة على الارض سيما المتعلقة منها بالتقديرات السكانية واثرها على علاقات السلطة والحكم والتداخل الاجتماعى.
تأتي اهمية القضية مثار الجدل حول عاصمة جنوب السودان القديمة (مدينة جوبا) من جملة هواجس طرحتها المجموعة المحتجة عبر بيانها الذى تحدثنا عنه فيما سبق، وهى بالنسبة لنا ولكثيرين غيرنا مسألة غاية في الاهمية، ونحن ننظر فى المدى البعيد لمستقبل العلاقات المتوقعة بين جميع مكونات الاقليم، والمشوار الطويل الذى قطعته تلك المجموعات فى سبيل الحفاظ على وحدتها وتعارفها، بل ومحاولة تجاوز جملة من ترسبات الماضى التى نسفت حتى عوامل الاستقرار البسيطة التى توافرت حينها، ولا نخشى على صعيد جنوب السودان فى ذلك أي مهدد او عامل خارجى يتوقع استغلال هذه الوضعية بغرض التآمر، عليه فليكن تحركنا هنا قائما على مبدأ أساس هو الحرص الذاتى والحفاظ على تماسكنا كنوع من الوعى المدفوع بالمصلحة الكلية والمستقبلية لجنوب السودان.
لقد اثارت مطالبة (الباري كميونتي) لحكومة جنوب السودان بنقل العاصمة من (جوبا) حفيظة الكثيرين بدلا من ان تولد لديهم الاسئلة المبكرة، كيف وان القضية اتخذت مسارا معلنا كما جاءت فى توقيت يمكن ادراكه علما بان المجموعة التى كتبت البيان تضم فى تكوينها رموزاً ومثقفين ممثلين للمجموعة بما فيهم ناشطين سياسيين منتمين لاغلب الاحزاب الموجودة فى الاقليم، وهنا يتخذ الامر طابعا جديا قابلا للتداول والتعاطى، هذا فى الجانب الخاص بالحكومة التى خاطبتها المجموعة بالتحديد، لكن الفرصة ما تزال كذلك مواتية بالنسبة لبقية التكوينات والاجسام المدنية والحية كالاحزاب وتنظيمات المجتمع المدنى بالجنوب ان تلتفت لهذه القضية وتعيرها قدرا من النقاش والاهتمام لتجنب ما قد تفضى اليه التوترات الاجتماعية من صراعات محتملة تعيق الجميع عن تحقيق أية خطوة جديدة فى اتجاه التقارب الاجتماعى.
تؤكد مسألة العاصمة هذه على وجود بوادر لأزمة قابلة للتلافى اذا ما اعرتها السلطات الرسمية فى جنوب السودان قدرا مطلوبا من الاهتمام كما اسلفنا، فالقضية تعبر وبوعى كبير عن وجود جفوة واضحة تؤكد انشغال الحكومة عن القضايا الحساسة ذات التأثير المباشر على علاقات المجتمع فيما بينه فى مرحلة اقل ما يمكن ان توصف به هو انها مرحلة للبناء والتأسيس أي بمعنى انها تتطلب على المدى القريب اولويات واضحة ومحددة منها تحقيق مبدأ المشاركة الشعبية فى اتخاذ القرار فى المسائل المرتبطة بالمجتمع كالاراضى مثلا، والتى تبدو فى تقديرنا المسألة الجوهرية فى مطالب الباري، وقد انبنى على ذلك التباعد تعطيل العديد من المشروعات الحيوية والاقتصادية فى جنوب السودان تحت بند (الارض للمجتمع) كتفسير جديد لاحد بنود اتفاقية السلام الشامل التى جاءت فى اطار التفاوض السياسي فى نيفاشا، وفى ظل انعدام صيغة الاتفاق بين مجموعات ولاية الاستوائية الوسطى وحكومة الجنوب فشلت الاخيرة ايضا فى انجاز مشروعات جديدة ازاء مخاوف الباري وتمسكهم بارضهم، فصارت العاصمة جوبا من اغلى مناطق الدنيا من جميع النواحى بما فيها السكن وليس امتلاك الارض، وهنا كان لزاما علينا سيما وان الاراضى الموجودة داخل المدينة هى مناطق تواجد مجموعة الباري التى ظلت تؤكد على ذلك دوما بمقولة (جوبا نا باري) أي بمعنى (جوبا بلد الباري)، وهنا تتجلى مفارقة المدينة واستيعاب أية علاقة يمكن ان تقوم على ملكية الارض فى هذه الظروف، اذ يختلف الامر كثيرا بالنسبة لبقية مدن الجنوب الكبيرة الاخرى، والتى نشأت وفق محددات نشأة المدن كمراكز حضرية ومناطق نفوذ اداري وحكومى وهو ما نلحظه فى مدن مثل واو وملكال اذ نجد مناطق تواجد القبائل تتركز فى القرى بينما المدينة هى الملتقى الذى يجمع موظفى الحكومة من الطبقة الوسطى والتجار وكل من له مصلحة فى التواجد هناك، غض النظر عن اصله وجذوره، وهى مسألة منعدمة فى حالة مدينة جوبا، لان تجربة تطورها ارتبطت بمجموعات محددة فى اطار المنطقة الاستوائية ولم تتح لمجموعاتها فرص الاختلاط او حتى التداخل مع باقى المجموعات من بقية الاقاليم الاخرى وبالاخص النايلوتيين، كمجموعات كبيرة ذات وزن ومؤثرة، وقد اتضح كيف امكن استغلال هذه المسافة فى اثارة احداث (الكوكرا) المشهورة بفهم سطحى وضيق.
ختاما: يظل مطلب العاصمة الجديدة هو المخرج السليم والذى يراعى رأي مجموعة من المواطنين الجنوبيين الذين يرون تقديم الوحدة الجنوبية كخيار استراتيجى وغالب يعين الاقليم فى الالتفات الى قضاياه الكبيرة التى تحتاج لجهد الجميع فى هذه الظروف التى يتوقع فيها الكثيرون اوضاعا اكثر استقرارا، فقط باعتماد نهج الحوار الموضوعى وتعزيز القواسم المشتركة لتجاوز جميع الاخفاقات الماضية، اذ ان هناك العديد من الاسباب التى جعلت الدكتور جون قرنق يرجح منطقة رامشيل كعاصمة مقترحة وهى اسباب سنستغرق فيها زمنا طويلا نصل بعده الى نفس القرار وهو ضرورة نقل العاصمة خارج مدينة جوبا، حينها فقط سندرك الفائدة الكبيرة التى سيجنيها الجنوب على الصعيد الاجتماعى وتحقيق شروط الوحدة الداخلية والتكامل والمصالحة.


وكل عام وانتم بخير،،

الخميس، 18 ديسمبر، 2008















الشباب والتربية الديمقراطية
نقد الواقع والممكنات





أتيم سايمون مبيور






ديسمبر2007





مقدمـة
تحاول هذه الورقة أن تستعرض واحدة من القضايا المهمة والمتعلقة بالمسألة الشبابية ككل، وعلاقتها بعملية التربية الديمقراطية من خلال مقاربة الواقع السوداني الراهن بالنسبة للشباب وما يتمثله من هذه المعايير الديمقراطية في المجتمع الكبير، وتسعي الورقة لتقديم نظرة شاملة للمفهوم الخاص بالشباب وكذلك ما يتعلق بالتربية الديمقراطية كمضمون ينعكس بوضوح في قضايا التنشئة والمشاركة السياسية أو التثقيف المدني، مع محاولة ربطها بحال واقع الشاب في السودان وما يواجهه من تحديات كبيرة تحول دون اندماجهم في المؤسسة الاجتماعية وبالتالي ضمان مشاركتهم الفاعلة كشريحة تشغل الجزء الأكبر من الحيز السكاني في السودان، وهي تحديات ومشاكل أرستها عبر الزمن الماضي سياسات بعينها سعت إلى وضع الشباب في مقام الهامش المجتمعي.

تعريف الشباب
لابد أن سؤال من هم الشباب، ظل يشكل هاجساً ملحاً أمام أي محاولة لإضفاء نوع من الواقعية على المفهوم العام للشباب، في التعامل معه من مختلف الوجهات التعريفية والمقاربات التوصفية، وهو ما يجعل من تعريف الشباب عملية تحفها المزالق العلمية عند تناول كلمة شباب من الناحية العمرية، فإلي جانب المقاربة العمرية نجد هناك المقاربة البيولوجية النفسية التي تحصر الشباب في الملامح والتطورات الفيزيولوجية التي تبصم لحظة الانتقال من الطفولة إلى الشباب ومنه أيضاً إلى النضج أو الشيخوخة. ونلاحظ أيضاً صعوبة الاتفاق على تعريف واضح للشباب كمفهوم موحد وشامل، باعتبار اختلاف الأهداف المنشودة من وضع التعريف بجانب تباين المفاهيم والأفكار العامة التي يقوم عليها التحليل الذي يخدم تلك الأهداف، لذلك أصبح مفهوم الشباب قائماً على أساس المداخل والاتجاهات المعرفية التي تحدد مستويات معينة لتجاوز هذه الصعوبة المفاهيمية وقد انحصرت في ثلاثة اتجاهات هي:-
1- الاتجاه البيولوجي: وهو يؤكد الحتمية البيويولوجية باعتبار الشباب مرحلة عمرية أو طور من أطوار نمو الإنسان الذي فيه يكتمل نضجه العضوي الفيزيقي، وكذلك نضجه العقلي والنفسي والذي يبدأ من سن 15-25 وهناك من يحددها 13-30.
2- الاتجاه السيكولوجي: يرى هذا الاتجاه أن الشباب حالة عمرية تخضع لنمو بيولوجي "النمو العضوي" من جهة، ولثقافة المجتمع من جهة أخرى، بدءاً من سن البلوغ وانتهاءً بدخول الفرد إلى عالم الراشدين الكبار حيث تكون قد اكتملت عمليات التطبيع الاجتماعي. وهذا التعريف يحاول الدمج بين الاشتراطات العمرية والثقافية المكتسبة من المجتمع.
3- الاتجاه السوسيولوجي "الاجتماعي": ينظر هذا الاتجاه للشباب باعتباره حقيقة اجتماعية وليس ظاهرة بيولوجية فقط. بمعني أن هناك مجموعة من السمات والخصائص إذا توافرت في فئة من السكان كانت هذه الفئة شباباً.
في استجماع خلاصات هذه المقاربات المفاهيمية يمكن القول بأن الشباب يبقي فئة اجتماعية تحتل مكانة بارزة في النسيج المجتمعي، و محددة سلفاً بشروط الإنتاج وإعادة الإنتاج الاجتماعي في مجتمع معين، واعتباراً لكونه معطي اجتماعياً فهو يشير إلى مرحلة عمرية تأتي بعد مرحلة الطفولة، وتلوح خلالها علامات النضج البيولوجي والنفسي والاجتماعي وجدير بالذكر أن كل تعريف اجتماعي للشباب يظل مرتبطاً بشروط إنتاجه الاجتماعية. فكل عقل جمعي ينتج شبابه ويحدد احتمالات الارتقاء الاجتماعي إلى هذه الفئة أو السقوط منها. بحيث تبقي لدرجة التعقيد المجتمعي دور حاسم في تحديد الارتقاء أو السقوط. فعن أي شباب نتحدث؟ طالما كانت الفئات العمرية عبارة عن نتاجات اجتماعية تتطور عبر التاريخ لتتخذ أشكالاً ومفاهيم ترتبط بالأوضاع والحالات الاجتماعية، فكما أن لكل مجتمع قيمه وعقله الجمعي الذي ينضبط ويحتكم إليه فإن له مفهوماً خاصاً للشباب وتحديداً اجتماعياً لخصائصه وتحولاته. بل أننا نجد داخل المجتمع الواحد أكثر من مفهوم للشباب وذلك كله في اتصال وثيق مع ما يعتمل داخل هذا المجتمع ويتفاعل فيه. والنتيجة في النهاية شباب لكل مجتمع مختلف نوعاً ودرجة عن شباب أي مجتمع، ومنه نصل إلى التأكيد على أن لكل شباب قضاياه وأسئلته التي تتنوع بتنوع المجتمعات. مما دفع بعض الباحثين للتخلي عن مفهوم الشباب لصالح مفهوم أكثر إجرائية من الناحية العلمية إلا وهو مفهوم المرور إلى سن الرشد. وهو ما يتيح للدول والمجتمعات أن تحدد المدى العمري الخاص بها لتحديد فئة الشباب بما يلاءم واقعها وظروفها وبخاصة في حالة الدول النامية التي تتفاوت حسب الفئة العمرية. فهناك دول تحدد سن 18-30، لكن الغالبية العظمي منها تتجه لرفع سن الشاب إلى 40 عاماً كما هو الحال عندنا في السودان، وهو تحديد تأخذ به هذه الورقة فى مجرياتها.
ثمة مؤشرات هامة تذهب الى أهمية الاهتمام بفئة الشباب في البلدان النامية إذ أنهم يشكلون الشريحة الأكثر تزايداً من سكان العالم ولهم تأثيرات كبيرة على بلدانهم كما تظهر العديد من الإحصاءات التي تدلل على أن نسبة الأطفال والشباب تكاد أن تبلغ 50% من تعداد السكان في البلدان النامية، أي بمعني أن 85% من الشباب في العالم يعيشون في تلك البلدان، مما يجعلهم يشكلون نسبة 47% من إجمالي العاطلين عن العمل على مستوي العالم بينهم عدد لا يتجاوز الـ 113 مليون شاب أمي، بحيث تقل نسبة الشباب الذين يتمون مرحلة الدراسة الثانوية عن 20% في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، كما يتهدد هذه الشريحة في حدود الدول النامية احتمالات الإصابة بفيروز الإيدز إذا اعتبرنا واقعية تلك التقديرات التي تذهب إلى أن نصف الإصابات الجيدة بالمرض تحدث وسط الشباب تحديداً.

التربية الديمقراطية.. إطار تفسيري
على أساس أشكال التداخل الملحوظ في المجال النظري نكاد نجد على المستوي التطبيقي نمط من الاتفاق بين الدارسين والمهتمين بقضايا التربية الديمقراطية والتربية الوطنية، بالإضافة لمفهوم آخر نسبي هو التربية المدنية، على اساس أن جميع هذه المفاهيم والمسائل قد تم استلافها من الإطار الكلي للعملية المقصودة بالبحث والدراسة والتي هي عملية التنشئة السياسية، كعملية تهدف إلى تلقين القيم والاتجاهات السياسية لأفراد مجتمع معين بشكل مستمر، وأحياناً تكون العملية معنية بنقل قيم واهتمامات اجتماعية ذات اتجاهات سياسية لنقل الثقافة السياسية عبر الأجيال، او تكوين الثقافة السياسية وتفسيرها، في حدود أنساق ومؤسسات اجتماعية مختلفة تقوم بهذه الادوار.
تهتم التربية الديمقراطية بتشكيل ذات الفرد وهويته باعتباره عضو في مجتمعه، إذ يتوقف نجاح التربية الديمقراطية على قدراته وإسهاماته الحية على صعيد المجتمع، لذا نجد ضرورية تنمية القدرات الخاصة لكل فرد، بتكوين التصور الإيجابي الذي يؤهله لتحمل الأعباء والمسؤوليات الملقاة على عاتقه والتمتع بالحقوق المتوفرة بعد الوعي بها مثل حرية التعبير، حق الحصول على العمل، حق الحياة الحرة الكريمة. وتشجع التربية الديمقراطية على تنمية الفروق الفردية الفطرية والمكتسبة القائمة بين أعضاء المجتمع لتنوع الكفايات وحاجة المجتمع نفسه لتلك القدرات والاستعدادات. ومن هنا جاءت اهتمامات التربية الديمقراطية بالتنشئة السياسية عن طريق صياغة الفرد الديمقراطي المؤهل للعيش في المجتمع الديمقراطي كتربية سلوكية تهدف إلى النظام ومن هنا جاءت فكرة الاهتمام بالتنشئة السياسية الديمقراطية.
وتنشأ العلاقة بين الديمقراطية والتربية بالنظر إلى المفهوم والمدلول الواسع للديمقراطية كطريقة حياة أو مجموعة من العلاقات الإنسانية والمحكومة بالقانون الاجتماعي الأخلاقي، وهنا يتحدد معني للديمقراطية يتناولها بمعيار احترام ذات الفرد والثقة في ذكائه وقدراته، والأساس الفلسفي لهذا المعيار يكمن في أن الفرد يكون فكرته عن نفسه في محيط تداخل نمط علاقاته في المجتمع بوسائل تساعده على تنمية الاتجاهات الضرورية للتكيف مع شروط بيئته المحيطة، حتى يكون قادراً على المشاركة والتعاون في إعادة بناء واقع الحياة في ثقافته وعلى ضوء المقومات العامة للديمقراطية مثل:-
- احترام شخصية الفرد والإيمان بأهميته.
- تكافؤ الفرص والمساواة.
- حرية التعبير عن النفس.
- حق الأقلية في المشاركة في مجالات الحياة.
- القيادة.
- حرية اختيار نوع العمل ومتابعته.
- الحرية في أحداث التعبير.
- التخطيط المشترك.
- ترجمة القيم الديمقراطية إلى سلوك حركي.
تعود أهمية التركيز على الفرد وأدواره في التربية الديمقراطية كنوع من ترشيح هذه القيم في نفوس الأفراد ومن ثم توجيههم نحو العمل العام الجماعي الذي يعني الإيمان بأهمية العمل التعاوني المشترك في المجالين الاجتماعي والسياسي، كشعور بواجب المسؤولية تجاه المجتمع وقضاياه مما يدفع المواطن إلى الايجابية في التعامل مع القضايا والموضوعات في ظل ثقافة متشابهة مؤداها الإحساس بالولاء الجماعة، والي تتعايش على مرجعية وهوية تتكامل فيها القيم والأهداف والقدرات، ذلك لتحاشي الصراع بين القيم والدوافع في إنتاج صورة مقبولة اجتماعياً، وهنا تبرز مشكلة الهوية لدى الشباب كجماعة اجتماعية متميزة، لها ثقافتها الفرعية الخاصة، فهناك عوالم عدة قادت إلى ظهور هذه المشكلة لدى الشباب منها:-
- سرعة التغير في المجتمع.
- التشتت النفسي.
- التحديث.

أدوات التربية الديمقراطية
تتنوع وتتعدد الأدوات التي تلعب أدواراً رئيسياً في علمية التربية الديمقراطية، لكن هناك تأثير واضح للمؤسسات المناط بها تشكيل وعي الفرد بنقل الاتجاهات والقيم والمبادئ واختزانها للإفادة في تحديد المواقف السلوكية. وهذه المؤسسات تتمثل في:-
أ‌. الأسـرة
وتعتبر من أهم أدوات التربية الديمقراطية، إذ تعتبر مؤسسة أساسية يكتسب عن طريقها الفرد قيمه الاجتماعية ومعاييره السلوكية التي تساير أنماط الثقافة السائدة في المجتمع وهنا تأتي أهمية وعي أفراد الأسرة أو إلمامها بالقيمة الديمقراطية للتنشئة والتعامل معها.
ب. دور مؤسسات العمل:
وتؤثر مؤسسات العمل في التنشئة من خلال ما يدور داخلها من علاقات واتصالات ومعاملات بين الرؤساء والمرؤوسين وبين العاملين في تلك المؤسسات بعضهم البعض، بحيث أنه كلما اتسمت هذه العلاقة بالود والتعاون والمشاركة في اتخاذ القرارات. وفي تسيير أمور المؤسسة، كلما كان الفرد أكثر ميلاً للمشاركة خارج نطاق العمل.
ج. دور الأحزاب السياسية:
تقوم الأحزاب السياسية – الديمقراطية – بدور كبير في عملية التربية الديمقراطية ومن خلال تأكيد القيم الديمقراطية، وتوجيه منتسبيها في إطار ما تقدمه من معلومات وما تمارسه من تأثيرات على الآراء والقيم والاتجاهات السلوكية السياسية للجماهير، مستخدمة في ذلك ما تملك من وسائل اتصال بالجماهير، وبالأخص الشباب الذي يمثل القطاع الأكبر من تلك الجماهير، وذلك بدعم الأحزاب للثقافة السياسية السائدة أو خلق ثقافة جديدة.


د. دور وسائل الإعلام
تؤدي هذه الوسائل من صحف، ومجلات وإذاعة، وتلفزيون دوراً هاماً في عملية التنشئة السياسية، إذ تزود الفرد – الشاب – بالمعلومات السياسية، وتساعد في تكوين وترشيح قيمه الديمقراطية، ففي المجتمعات المتقدمة تنتشر الوسائل الإعلامية على نطاق واسع وتقوم هذه الوسائل بنقل المعلومات عن المطالب وردود الأفعال بالنسبة للجماهير، وهذا التدفق الحر للمعلومات من أعلى إلى أسفل وبالعكس من شأنه العمل على تأكيد قيم الثقافة الديمقراطية وأنموذج قيمها السائد، ويقتضي تعظيم الاستفادة من الوسائل الجماهيرية حدوث نوع من التعاون والتضافر لجهود أخرى تبذلها مؤسسات ترى في دعم التربية الديمقراطية هدفاً كلياً لها.

الشباب السوداني... أسئلة الواقع والقضايا
في خصوص أي محاولة لمعرفة أو تقصي أوضاع وواقع شريحة الشباب في السودان، تقف مجموعة كبيرة من الصعاب والعقبات التي تدلل بمعني أو آخر على طبيعة الأزمة الحقيقية التي تواجه فئة تشكل القوة الديمغرافية الرئيسية في موازين العلاقات الاجتماعية، باعتبار أن هذا الوزن الذي يمثله الشباب يبرز بطبيعة الحال جانباً من تلك ألأهمية التي يحوزها كجيل نشأ في سياقات شديدة الاختلاف عما كان عليه الحال في الماضي، لكن للوقوف على طبيعة حالته تضعف الحقائق والأرقام وتندر الدراسات أو حتى المسوحات التي تساعد صانعي القرار والمهتمين بقضايا ومشكلات الشباب في الاستعانة بها لبناء قاعدة بيانات تنطلق منها كافة الجهود الموجهة للتعامل مع الشباب، باعتبارها مؤشرات حقيقية للظروف التي أنتجت جيل الشباب السوداني في الوقت الحاضر بما له من سمات واتجاهات وقيم تمثل حجر زاوية للبنية التي يكون عليها الشاب مستقبلاً، إلا أن غياب تلك التدابير تؤكد مدى الإهمال وعدم التقدير الذي تواجهه فئة الشباب السوداني من قبل الجهات الرسمية والأهلية أو المدنية المعنية تحديداً بقضايا الشباب في كافة أشكالها وأبعادها المتداخلة. فالشباب في أي مجتمع هم الأمل ومصدر الخطر في آن واحد سواء في الحاضر أو المستقبل، استناداً إلى ما يمثله الشباب – دائماً – من قوة مستمدة من مكانتهم المتميزة، وكمصدر للتجديد والتغيير، وكذا الحال عندنا في الذهنية السودانية التي ظلت داخل وخارج مؤسساتها تسعي لفصل الشباب عن السياق المجتمعي الكلي، مما أفضي لحالة التمايز الراهنة.
يمثل الشباب السوداني أكثر من نصف عدد السكان، كما يعتبر السودان في التوصيف الديمغرافي قطراً شاباً لاتساع قاعدة الشباب فيه. لذا يبدو اعتبارهم نصف الحاضر وكل المستقبل من قبيل الحقائق والمسلمات التي يمكن أن نلمسها في حياتنا اليومية بصورة لا يمكن تجاهلها أو إغفالها، وقد ترتبت على هذه المكانة التي يمثلها الشباب من حيث تقديرهم الكمي نتائج متعددة الأثر بالغة العمق جراء تجاهل قضاياه وأسئلته المفتوحة حول ظهور عوائق الإدماج المفترضة مع باقي مؤسسات وفئات المجتمع مما جعل منها ظاهرة وأزمة تحتاج للتشخيص الموضوعي الأمثل والتدخلات القصدية لإنهاء حالة الإقصاء والإهدار الواعي لطاقات الشباب عن طريق تهميش قضاياهم وأبعادهم عن دوائر صنع القرار والتأثير من قبل المجتمع الأكبر الذي تسوده عقلية الطاعة على حساب عقلية التعاطي والحوار وهي عقلية بيروقراطية تعتقد بالبناء الهرمي للتفكير العقلاني الذي يقوم على الارتكان إلى خبرة السن والفوارق الجيلية والوطنية.
هناك مستويات ظلت معروفة في تناول قضية الشباب في السودان كمعطي معزول يحتاج لنوع من الحلول الآنية والمباشرة تركزت مثلاً في تحديد الوضع الاقتصادي للشباب وما يعانيه من ظروف الفقر والبطالة كتصور أخير في شأن القضية، على الرغم من تسليمنا بأهمية مدخل الفقر والبطالة إلا أن السياق والبيئة الكلية بالتوقيت الزماني والاجتماعي التي تشكل في سياقها واقع الشباب مردود لطبيعة السياسات الاقتصادية الكلية وما أنتجته من أزمة ظاهرة كان الشباب أول المتأثرين بها. كرأس مال بشري مغيب في السياسات والاستراتيجيات التنموية للدولة. إذ أن قضية الشباب السوداني تكاد لا تنفصم في مجملها عن طبيعة القضايا الماثلة التي يواجهها الشباب على مستوي العالم وبخاصة البلدان المستقرة نسبياً لتظل خيارات ومحددات البنك الدولي الواردة في تقرير التنمية والجيل القادم لعام 2007م، متضمنة للشواغل والحاجات المشتركة بالنسبة لمختلف قطاعات الشباب لهدف الوصول لمشاركة الشباب وإدماج قضاياهم في السياسات العامة لجهاز الدولة من خلال :-
- مواصلة التعليم.
- البدء في العمل.
- اعتماد أسلوب حياة يتيح الصحة العافية.
- إنشاء أسرة "الزواج".
- ممارسة المواطنة.
على الرغم من أوجه التشابه و التلاقي إلا أن مشكلات وقضايا الشاب السودانى تتفاوت بدرجة أو بأخرى، لكن تظل قضايا الوضع التعليمي والأمية وسط الشباب هي القضية الأكثر إلحاحاً، نسبة لارتباطها الطبيعي بالقضية مسار النقاش والطرح بالنسبة للورقة، إذ تشير معظم الإحصاءات الرسمية إلى تدني نسبة الانتظام الدراسي في أوساط الشباب عبر مراحل التعليم المختلفة، كانعكاس لمشكلات أخرى تتعلق بالأوضاع المادية وصعوبتها، أو لعدم الرغبة في متابعة الدراسة والرغبة في مساعدة الأسرة، عدم رغبة الزوج، عائق الخدمة الإلزامية.
هذا وتشير التقديرات المتعلقة بقضايا العمل عند الشباب السوداني في المراكز الحضرية خاصة الذين تحصلوا على مؤهلات تعليمية تساعدهم على مزاولة العمل في القطاعات المنظمة، تشير إلى صعوبات حقيقية تواجه هؤلاء الشباب مما يضيفهم لمدى أطول الى جيوش العطالة، اذ تبلغ نسبة الذين يبحثون عن العمل لمدة خمس سنوات فأكثر إلى ما يفوق نسبة ال 50%، تجدهم منحصرين في الوظيفة الحكومية والقطاع الخاص، هذا بجانب الفاقد التربوي من الشباب والأميين فهؤلاء لا يمتلكون أين نوع من الخبرة التي تؤهلهم للمنافسة في سوق العمل. ويعظم من هذه القضية وفرص معالجتها غياب الدراسات والإحصاءات، عدا بعض جهود وزارة العمل سنة 1990م حول بطالة الخريجين، وسجلات لجنة الاختيار التي تعوزها الطرق المنهجية لتشغيل الخريجين.
ففي ظل تردي الأوضاع التعليمية والاقتصادية بالنسبة للشباب السوداني فإنه من الطبيعي والمتوقع أن تنتابه أحياناً بعض مشاعر القلق والخوف على المستقبل، لكن سرعان ما يتحول هذا الشعور في حالات كثيرة إلى تدهور في الأوضاع الصحية عند الشباب في النواحي العضوية والنفسية، و تسود فى العموم حالات مثل صعوبة التكيف مع الآخرين، وصعوبة اتخاذ القرار الحازم، والشعور بالفشل، وما ظواهر إدمان المخدرات والمشروبات الكحولية، تناول المهدئات أو المنشطات، إلا نتاج سالب لحقيقة الأزمات التي يمر بها الشباب السوداني، الذي يجهل الجزء الكبير منه الطرق التي ينتقل بها مرض الإيدز. وهى تحديات تعوق الشباب من تحقيق أحلام أخرى كالزواج والحياة الأسرية.
عليه فقد اتجهت معظم الآراء إلى تصنيف مشكلات الشباب السوداني كهموم وقضايا على النحو التالي:-
- قضايا العمل أو العطالة وتشغيل الشباب.
- الوضع الصحي.
- الوضع التعليمي "مشكلة الأمية وسط الشباب".
- قضايا الهجرة.
- مشاركة الشباب في صنع القرار على المستوي السياسي.
- تأثيرات الحرب على جيل الشباب.
تمثل المعطيات الحالية لوضع الشباب ناقوس خطر يحذر من تبعات إقصاء وأبعاد الشباب كرأس مال اجتماعي واستثمار في المستقبل لصالح أساليب الوصاية والحجر التي يواجه بها المجتمع الشباب وطموحاتهم، التى تشكل طابع القضايا الحيوية لمطالب الشباب المتمثلة في التحرر والمشاركة والتعبير، كشروط مرحلية تؤسس لظاهرة الرفض وسط الشباب أن لم يكن الشعور بالاغتراب وهي استجابات تنشأ وتسود بين الشباب في مقابل المعايير والقيم وبناء القوة وطبيعة السلطة الموجهة للحياة، بجانب شكل القيادة والتوجيه الذي يمارسه الكبار ويشعر فيه الشباب بالتغييب، إذ أن هذا الرفض والشعور بالاغتراب وسط الشباب السوداني بات يمثل موقفاً موحداً له خصائص وملامح تكاد تكون مشتركة، حيث تولد بين الشباب بشكل ملحوظ شعور بعدم الانتماء للمجتمع ككل، وهذا ما يدلل على مظاهر رفض الواقع المعاش بالنسبة للشباب على أساس أنه لم يعد يمثل طلعاتهم الطموحة، فهو واقع متخلف من حيث الطبيعة الشمولية الكلية التي لا تقبل التجزئة وإنصاف الحلول، والشباب يرى اليوم بصورة موضوعية أن اختلاف أولويات النسق القيمي هى السبب الذي يجعل المجتمع غير قادر على تفهم حاجاته وقضاياه ومشكلاته، بما فيه شعورهم بأن أسرهم لم تعد تهتم بهم، وأنها - أي الأسرة – لم تعد تمثل المحيط المناسب الذي يستطيعون فيه إشباع حاجاتهم، على صعيد تنشئتهم وتنميتهم اجتماعياً وسياسياً، الشيئ الذي انسحب على مسألة التعليم وما يقدمه للشباب السوداني، حيث بدأ الكثير من الشباب في رفض نوعية التعليم الذي حصلوا عليه وما يتلقونه باعتبار انه لا يقدم لهم سوى القدر الضئيل من المعارف المعاصرة والقدر الأقل من المهارات الضرورية لحياتهم المستقبلية، مما أدي بالضرورة إلى تعطيل فرص اكتساب الخبرات العلمية التي تؤهلهم للتأقلم الحقيقي والتكيف الإيجابي مع ظروف الواقع الذي يعيشونه.
أحدثت تلك الإشكالات التي يعيشها جيل الشباب في السودان نوعاً من الشروخ الواضحة والعصية في النسيج المجتمعي ككل، خصوصاً وأن المجتمع السوداني ظل مفتقداً لتلك الشريحة من حيث أدوارها والاستفادة من فاعليتها وحيويتها، وقد أدي ذلك التجاوز والإهمال أو غض الطرف المتعمد إلى ظهور جيل من الشباب المتسم بالعزوف والانطواء على نفسه، مما جعل الجزء الأكبر منه يقع تحت الاستغلال من قبل جماعات المصلحة التي تلتف حولهم لتحقيق أغراض شخصية، هذا أن لم يقع فريسة لبعض الآراء والأفكار المتطرفة وقد تبدو الاستجابة السريعة للشباب في الانضمام للحركات المسلحة كنوع من التعبير وتحقيق الأهداف.
تمثل تلك الظروف التي أفرزت هذا الواقع المأزوم بالنسبة لحالة الشباب السوداني، تمثل أشارات في اتجاه طبيعة تمرحل تشكل بناء المؤسسات الاجتماعية في السودان، وضعف نظم التكامل في الأدوار الذي يظهر في الخطط والتصورات التنموية الحكومية وهي تهمل بشكل مستمر شريحة كالشباب لها ما تستطيع إنجازه في عمليات النهوض والتنمية باعتبارهم جيل الفاعلين الرئيسيين في المستقبل، لكن غياب نمط التفكير والاستعداد للديمقراطية على صعيدها الاجتماعي/التربوي والسياسي الفكري في تاريخ تطور نظم الحكم في السودان، افرز بيئة كبت وحرمان نشأ فيها الجيل الحالي بأكمله من الشباب السوداني وهو ما عزز فيه حالة الاغتراب تلك جراء غياب الوسط الديمقراطي في معناه الاجتماعي كوسط مربي يسعي لتحقيق التغيير الاجتماعي لصالح نمو الفرد والمجتمع في السودان، وبانعدام شروط التفاعل الخلاق والإدماج الإيجابي في مؤسسة المجتمع طرأت تحديات الراهن التي يمكن إجمالها في مفهوم :أزمة جيل الشباب". الذي يحتاج لنوع من سياسات الرعاية التي تؤهله للعب أدواره بفاعلية من خلال إتاحة البدائل الممكنة من خلال :-
1- إتاحة الحقائق للشباب في سبيل الوعي بقضاياه ومشكلاته، وماهية العوائق التي تحول دون إشباعها، وذلك لتحقيق المشاركة العادلة والمنصفة في الحياة الاجتماعية القائمة، وما ينطوي عليه من إمكانية تغيير العلاقات الهرمية القائمة. وهنا تحتل مسألة التربية الديمقراطية أهمية قصوى إذ أنها تتيح:-
- دعم الروح الجماعية والتعاون في التفكير.
- توفير المناخ الملائم أمام الشباب لوضع النظام الاجتماعي والسياسي موضع تساؤل.
- تصميم إستراتيجيات لدمج الشباب في الحياة العامة.
- وضع تصورات لمواجهة البيروقراطية المستترة والمعلنة للسياسات الموجهة نحو الشباب، لمقاومة ثقافة الطاعة والخضوع والسلبية، والممارسات المرتبطة بها.
مقترحات وتوصيات
لاشك في أن إتاحة الفرصة أمام الشباب لكي يتحمل مسئوليات القيام بواجباته تجاه مجتمعه الكلي تحتاج قدراً من الوعي الديمقراطي الذي تعزز فاعلية أدواره، داخل نطاق بيئة المجتمع المتعدد والمتنوع، عن طريق الوعي والحوار المدرك لحاجات الشباب والمجتمع، وبغرض تحسين أوضاع المستقبل من خلال:
- إعداد قاعدة بيانات حديثة ومتكاملة حول أوضاع الشباب في السودان لرصد واقعهم ومعرفة مشكلاتهم وحاجاتهم الأساسية في مختلف المجالات بغية تشخيصها وتحليلها ووضع الخطط والبرامج المناسبة لمعالجتها بالتعاون والتنسيق مع كافة الجهات الرسمية والشعبية والأهلية المعنية بقضايا الشباب.
- رفع أشكال الوصاية على الشباب وإتاحة الفرصة أمامهم لممارسة أدوارهم بحرية وذلك من خلال الضغط لتطوير تشريعات واضحة تتلاءم مع المعايير الواردة في العهود والمواثيق الدولية.
- ضمان حرية تكوين المؤسسات والتنظيمات الشبابية والانضمام إليها ورفع القيود التي تحول دون استقلالها وتحقيق أدوراها في التنمية الشاملة وتعزيز الديمقراطية.
- اعتماد قضايا التربية الديمقراطية والتثقيف المدني في مختلف مؤسسات ومناهج التعليم، بدلاً عن المناهج العسكرية.
- وضع خطة عمل بين المنظمات العاملة في مجالات تنمية ورعاية الشباب لدمج المضامين المتصلة بالتربية الديمقراطية في مفاصل الخطط الفرعية لمختلف المنظمات والهيئات الشبابية.
- تشجيع إنشاء منابر الحوار الشبابي بين المجتمع المدني والقطاع الحكومي، بجانب القطاع الخاص لتطوير برامج تساهم في نشر ثقافة الديمقراطية بين القطاعات الاجتماعية المختلفة.
- أتباع التخطيط العلمي السليم في مجال الإعلام عامة، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة خاصة، بحيث تصبح الرسالة الإعلامية ذات تأثير فعال في مجال التنشئة والتربية الديمقراطية، مع الوضع في الاعتبار الاختلافات بين المستهدفين وذلك لتعميق شعور الشباب بالانتماء للمجتمع. وإصدار نشرات وصحف خاصة بالشباب تعبر عنهم وعن مشاكلهم.
- ضرورة تدريب الشباب الذي فاتته فرص التعليم، تدريباً مهنياً يكسبهم المهارات الفنية والخبرات العملية التي تمكنهم من القيام بأعمال يمكن أن يكون لها عائد اقتصادي مباشر لهم ولأسرهم، وبهذا تتحقق الاستقلالية والاعتماد على النفس عوضاً عن الاتكالية والتبعية مع توفير فرص العمل المجزية للشباب الخريجين.
المراجـع
المنجي الزيدي "مقدمات لسوسيولوجيا الشباب"، مجلة عالم الفكر، يناير 2002م، المجلس الوطني للثقافة الكويت.

أمير النقر "الاستثمار في الشباب بعد اتفاقية السلام"، الجمعية السودانية والمشاركة السياسية، دار الثقافة للنشر، القاهرة، 1984م.

سعد إبراهيم جمعة الشباب والمشاركة السياسية، دار الثقافة للنشر، القاهرة، 1984م.

عبد الرحيم العطري "سوسيولوجيا الشباب"، مجلة العلوم الاجتماعي، د.ت.

ناجي شيخ الدين "حالة الشباب السوداني"، الجمعية السودانية للأمم المتحدة، أغسطس، 2007م.

محمد علي محمد الديمقراطية والتربية في السودان، دار عزة للنشر والتوزيع، 2005م.




الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2008

ابيي فى متاهة الاحداث و الخارطة


ابيي فى متاهة الاحداث و الخارطة اتيم سايمون
ان تتصاعد وتيرة الاحداث فى منطقة أبيي على هذا النحو وللمرة الثانية خلال العام الجارى ابتداء من احداث مايو الماضى ومرورا عند التوترات الاخيرة يوم الجمعة الماضية 12 ديسمبر، يؤكد للمتابع والمهتم الحصيف ان اتفاق خارطة الطريق الاخير الموقع بين شريكى الحكم فى المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية انما اتخذ فى مظهره العام شكلا من اشكال تطييب الخواطر اكثر من كونه وثيقة سياسية ناجعة تضع حدا فاصلا لتعقيدات الصراع حول المنطقة، اذ ان برتوكول حسم نزاع أبيى المضمن فى اتفاقية السلام الشامل قد اوضحت ملامح وابعاد التنازع حول المنطقة بعد ان اختار للخروج من القضية آليات محكمة يتراضى عليها الطرفين، إلا ان التثاقل الظاهر لمؤسسة الرئاسة وبالتحديد فى الجانب المتعلق بالمؤتمر الوطنى ومشايعيه هى التى اودت الى تلك الصورة الكارثية التى عاشتها المنطقة بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل الذى انهى الحرب الطويلة فى كل السودان عدا أبيى وحدها التى استقر فيها شبح الحرب بصورة تكاد تكون مخيبة لآمال مواطنى المنطقة وهم يعدون العدة لمعاودتها بعد عقدين كاملين من النزوح والمعاناة و التشرد، بيد ان تلك الامال ما كان لها إلا ان تتفرق بمجرد ان شهدت أبيى حريقا لا عهد لها به من قبل وتهدر ارواحا عديدة علاوة على ضياع كل ثمار ومكابدات الاغتراب الطويل بفعل انشغال سادة الحكم فى الخرطوم بأولويات اخرى ليس من ضمنها حتما مصلحة المواطنين السودانيين فى منطقة أبيي والتى لطالما تم الاستدلال عليها كنطاق امثل لنماذج التعايش السلمى فى السودان والغريب ان تلك الاشارات الايجابية نفسها لم تتم إلا فى الزمان الذى كانت الحرب هي المعلم الوحيد البارز على جدار العلاقة ما بين الشمال والجنوب.
ان الوقت الذى انقضى منذ التوقيع على اتفاق خارطة أبيى عقب الاحداث الاولى وتشكيل الادارة المؤقتة فى المنطقة وفق الصلاحيات المعبر عنها فى الخارطة نفسها كان كفيلا بفضح النوايا الكامنة وراء تجاهل نداءات حكومة أبيي خاصة فى الجوانب المتعلقة بالميزانية وتجنيب نصيب المنطقة المجمد للاعوام الثلاثة الماضية اضافة الى العقبات الكبيرة المتعلقة بالترتيبات الامنية وسحب الجيشين من عمق المدينة، دعك عن الوعود بالتنمية واعادة الاعمار ومن ثم تحقيق عملية المصالحة والسلام بين مجتمعات الدينكا والمسيرية سيما وان حالة الاحتقان الماثلة فى المنطقة ترتبت على وضعية الاستقطاب السياسي لتلك المجتمعات على مر الحقب الماضية، لتبدو الصورة المنطقية المقبولة لتفسير هذا التجاهل الرسمي من قبل مؤسسة الرئاسة نفسها هو اختلاف وجهات النظر وتباين المواقف المفضية لتجاوز الازمة السياسية الناجمة عن عدم اعتراف المؤتمر الوطنى بنتائج تقرير الخبراء من لحظة اعلان نتائجه.
بناء على كل تلك المعطيات فان الازمة التى ظلت تعيشها منطقة أبيي على الصعيدين السياسى والامنى جعلت العديد من تقارير المنظمات الدولية الصادرة فى خصوص سير تنفيذ اتفاقية السلام الشامل تبدي قدرا كبيرا من الحذر والاستياء من طريقة تعامل حزب المؤتمر الوطنى مع ملف الازمة، مرشحة الاوضاع فى المنطقة الى المزيد من التعقيد اذا ما استمر تعمد التعامي عن احتياجات انسان المنطقة التنموية والتى من شأنها ان تعيد تهدئة النفوس وبناء الثقة فى مؤسسة الدولة، ونحن بدورنا ننظر الى خارطة الطريق وبعد الوقت الذى انقضى منها بنفس معيار النظر الى الاتفاقات المنخفضة التى اعتاد عليها المؤتمر الوطنى كالتراضى الوطنى مشفقين فى نفسه على القدرة العظيمة من اللامبالاة والتهاون بالسلام (المسلح) فى ظل ظروف داخلية وخارجية لا تساعد على المراوغة او حتى الاستهبال واستسهال ارواح المواطنين فى أبيي مقابل المطامع النفطية المبالغ فيها لحزب المؤتمر الوطنى حسب تقديرات تنظر الى نهاية الفترة الانتقالية فى العام 2011م.
لم تتعد المناشدات الاخيرة التى اطلقتها بعثة الامم المتحدة والمنظمات المدنية بأبيي ابان احداث الاسبوع الماضى، لم تتعد النداء المعتاد كل مرة باعطاء الاولوية لتحقيق التعايش والسلام الاجتماعى، لكن ماذهب اليه رئيس لجنة المنسقية العليا لمجتمع أبيى المدنى فى واحدة من التصريحات المهمة من ان تشكيلة القوات المشتركة بالمنطقة انما انبنت على العناصر التى شاركت فى الاحداث الاولى وهى على هذا الاساس معبأة نفسيا للحرب اكثر من امكانية المساهمة فى خلق حالة الاستقرار بالمنطقة، و نضيف انه اذا لم تتوصل الاطراف الرئيسة فى حكومة الوحدة الوطنية والادارة المؤقتة بالمنطقة الى ان فرص تعزيز الامن انما تتطلب احترام سلطة وسيادة القانون وهو الشيء المفقود بالدرجة الاولى كما اسلفنا القول ويحتاج بناؤه لجهد جبار ونوايا حسنة لتنفيذ اتفاقية السلام وانتظار نتائج التحكيم المتوقعة من محكمة لاهاي فى مسألة الحدود الادارية للمنطقة, وتلك الاخيرة تعد واحدة من عوامل تخوف المؤتمر الوطنى الذى رفض نتائج الخبراء (الاجانب) ولا ادرك كيف سيستوعب للمرة القادمة نتائج محكمة لاهاي (الاجانب) ايضا فكل شيء ممكن فى اللعبة السياسية فى السودان إلا المعجزات!!
تظل مسألة ضمانات تنفيذ خارطة طريق أبيي محدودة تماما فى مقامها المتعلق باعادة المدنيين واعمار المنطقة واقامة مؤتمرات موسعة للتعايش بين الدينكا والمسيرية مرتبطة الى الحد البعيد بتوفير الدعم اللازم لادارة أبيي المؤقتة وتسريع نتائج التحكيم الدولي حول الحدود حتى يجد برتوكول أبيى طريقا للخروج من المتاهة التى حشر داخلها عنوة بفعل اعتبارات مثالية تخص الحركة الشعبية وهى تقبل تفاوضا جديدا خارج البرتوكول والاتفاقية افضت فى النهاية الى ادارة معلقة ومواطنين هائمين.. فهل افلحت خارطة الطريق؟

الأحد، 14 ديسمبر، 2008

مرحبا بالجميع فى مدونتى التى ارجوا ان تكون محل اهتمامكم
اتيم